«صاحب أجندة».. كيف يحب وطنه؟!

تنطلي على كثيرين تلك اللعبة التي يحترفها «متمرسون» في عمليات «غسل الأدمغة» و«تضليل البشر»، فيتحولون بكل سهولة إلى أتباع، بل بالأصح، أدوات تنقادُ في أي اتجاه يريده هؤلاء.

قليل منهم يستوعب متأخر أنه «غُرر به» وتم «استغلاله»، وأنه «مجرد رقم» وليس شخصاً يُنظر له من قبل هؤلاء المستغلين كإنسان له حقوق وعليه واجبات، وله طموحات وأحلام ويمتلك حياة يستحق أن يعيشها.

قبل سنوات كتبنا وبالتفصيل وبالأدلة، كيف ينظر «أصحاب الأجندات» لمن يصدقونهم ويتبعونهم على أنهم «مجرد أرقام»، وليس بشراً؛ وأنه كلما زادت الأرقام زادت الفائدة من ورائها، لدرجة أن تتخيلوا تفضيلهم لوجود بعض هؤلاء المنقادين كأرقام في لائحة الموتى؛ لأنهم «أكثر فائدة» لأصحاب الأجندات الذين سيستغلون ذلك أبشع استغلال للأسف.

عموماً، هناك أمور على أي شخص واعٍ ومدرك الوقوف عندها قبل الإنقياد وراء هؤلاء وتحوله للعبة في أيديهم، وبالتالي يترك مصيره وإرادته تحت تصرفهم. إذ قبل أن تركض وراء «مفوه» أو «صاحب شعارات ومثاليات»، انظر أولاً لأفعاله، انظر لحالته! وهنا كم شخصاً يعتبر نفسه قائداً في معارضة يطلب من الناس أن تموت لأجله «تحت مسمى المطالب والقضايا» بينما هو وأبناؤه بعيدون جداً عن ساحة النضال؟! بل تجد أبناءهم في الخارج يدرسون ويعيشون، وبعضهم قد تجد بأنه مبتعث ومكفول من الدولة التي يحاربها ولي أمره ويجيش الناس ضدها؟! وبعضهم تراه حصل على مكاسب وعطايا وغيرها، استحالة أن يعترف بتحصله عليها أو يعيدها حتى! ويستمر في استهداف الدولة التي أكرمته.

هل تظنون أننا نبالغ؟! فقط ابحثوا في أمورهم الصريحة والتي «يخفونها» عنكم، وستجدون غرائب وعجائب!

وعودة للشق الثاني من العنوان، أي «حب الوطن». إذ هنا ينطلي على كثير من التابعين ادعاء «أصحاب الوطنية» بأنهم «يحبون أوطانهم»، ويظنون بأن حراكهم لا دافع وراءه سوى حب الوطن والرغبة في الأفضل له ولأهله!

القاعدة الأزلية تقول بأن «الحب الصادق للوطن» يجعلك تحرم على نفسك أن تكون «تابعاً» للخارج، وأن تكون «أداة» تخدم الخارج، وأن تصبح «سيفاً مسلولاً» على وطنك تبحث عن الأخطاء هنا وهناك لتنهش فيه، بينما من تتبعه لو وجدته يرتكب أفعالاً وشنائع ومصائب تتناقض مع المبادئ التي تدعو لها، فإنك «تغض بصرك»، بل تسكت وتبتعد عن المشهد كله وكأن شيئاً لا يعنيك، وهنا الشواهد كثيرة ولا تنتهي.

مازلت في السطور هنا بعيداً عن التخصيص، والحديث بعمومية، لأن هذا التوصيف ينطبق على كثيرين، من ينتمون إلى دول يعملون جاهدين على محاربتها والتحريض ضدها وتحشيد البشر ليشوهوا صورتها في كل مكان. لكن الواقع يكشف الحقيقة والأفعال، والمواقف تعري المتدثر بالشعارات والادعاءات، إذ من يحب وطنه يستحيل أن يكون صاحب أجندة «وقودها» كره هذا الوطن والاستماتة في الإساءة له وعدم الاعتراف له ولو بحسنة واحدة.

هناك فرق بين وطني مخلص لبلده ينتقد الأخطاء ويمارس حقه المكفول في التعبير بحرية وهدفه رؤية بلاده أفضل وأجمل، وبين من يستغل نقد أي أخطاء أو أوضاع فقط لأنه يحمل بغضاً وكراهية لهذا الوطن، هذا الوطن الذي عجزوا لأجل ابتلاعه بـ«الوكالة» لغيرهم، لكنه وقف بـ«من يحبونه» كشوكة في حلق الطامع والكاره والأجير التابع للخارج.

لا يحب وطنه إلا من يحمل في قلبه أجندة وطنية خالصة تماماً، لا أجندة تحركها أطماع ولا أهواء ولا جهات خارجية.

الإدارة الذكية.. فلسفة الأمير سلمان

الإداري المحنك والذكي هو الذي لا يحتاج لأن يتحدث في الإدارة وفنونها؛ لأنه وبكل بساطة يترجم ذلك عبر أفعال تجعل من يتمعن يدرك العمق في فلسفته الإدارية.

اليوم لدينا نموذج حيوي ومشوق لكيفية تقديم الأساليب الإدارية الذكية كأسلوب وطرائق عمل مؤثرة، وذلك من خلال ترسيخ أسس وأفكار وسياسات عملية تستقطب الاهتمام وتستوجب الإشادة.

صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس الوزراء حفظه الله، شخص عرفناه منذ زمن بعيد بأنه إداري ذكي، يعرف كيف يدير الأمور بحنكة، ويعرف كيف يرفع سقوف التحدي، ويبدع في صناعة النجوم، وكل ما يرتبط بأسلوب إدراته هدفه الأول والأخير مصلحة البحرين الغالية من خلال تمكين وتطوير وتأهيل أبنائها وتحويلهم لنجوم يبدعون في مواقع عملهم.

لاحظتم كيف هي سياسة سموه في صناعة النجوم. عرفتم ما هي البرامج العديدة التي أسسها ومن خلالها أصبحت البحرين ولادة لطاقات شبابية يمكن أن تمنح فرصتها لتعطي وتبدع وتنجز. عامل السن لم يكن حاجزاً إطلاقاً أمام سموه، لأنه هو بحد ذاته كان نموذجاً لكسر «هاجس السن» منذ نشأته وحتى اليوم، وعليه من يدرك تماماً ما يعنيه النجاح وتطويع الصعاب وكسر هاجس المستحيل وهو شاب، يعرف تماماً بأنه قادر على استنساخ نفس النموذج، والجميل بأن البحرين فيها خير كثير في أبنائها، فيها نجوم فقط يحتاجون اكتشاف وصقل وتطوير ومن ثم منحهم الثقة والمسؤولية.

من آخر القرارات المميزة لسموه هو توجيهه الأسبوع الماضي لزيادة مكافأة الموظف المتميز، ورفع سقفها إلى 3 آلاف دينار.

هذا التوجيه يمثل حافزاً لجميع العاملين تحت مظلة الحكومة في مختلف قطاعاتها، وستجد بالضرورة مزيداً من بذل الجهد والعمل والسعي للتميز والتألق.

لكن السؤال هل الفكرة ترتبط برفع قيمة المكافأة، أم أن فلسفة الأمير تذهب إلى أبعد من ذلك؟

نعم المكافأة هي حافز لاشك من ذلك، لكن الفكرة كلها تكمن في المعادلة الإدارية التي تقول «لكل مجتهد نصيب»، والبحرين من خلال توجه الحكومة بقيادة الأمير سلمان تركز دائماً على الاجتهاد والجودة والأداء والإنتاجية والابتكار والإبداع، وكل هذا يقود للتميز، وحينما يوجد التحفيز، وحينما تصنع تلك الثقة التي تقول بأن «اعمل واجتهد والحكومة بقيادتها شخصياً معك»، فإنك تصنع لدى هذا الموظف دافعاً ذاتياً بعيداً عن أي مكافأة، دافعاً ذاتياً هدفه خدمة بلده وأن يكون عند حسن الظن.

سياسة التقدير والتكريم والدفع باتجاه مزيد من بذل الجهد والتميز، هي سياسة لا تهتم بها إلا الدول التي تؤمن بأن «الكوادر البشرية» هي أثمن ما تملك من موارد، وهذا الدرس يقدمه لنا الأمير سلمان بشكل دائم، علَّ جميع المسؤولين يسيرون على خطاه ويكونون خير داعم للطاقات ومقدر لعطاءاتهم.

وفي النهاية البحرين العزيزة هي المستفيدة.

المطلوب «تقليل» عدد العمالة لا «زيادته»!

أنا مؤمن بوجود عديد من الجهات الرسمية قامت بتعديل إستراتيجياتها وخطط عملها في محاولات لتحقيق نتائج إيجابية بما يرضي المواطن ويعدل كثيراً من مسارات العمل السابقة ونتائجها.

والوقت الراهن يفيد بأن التغييرات العديدة التي أجريت على الهياكل التنفيذية لكثير من القطاعات، بما في ذلك عمليات إحلال الدماء الشابة والكفاءات الجديدة، كلها أمور يفترض أنها مؤشرات على تغيير في السياسات وتصحيح للمسارات، وعليه فإن الأمل معقود على قياس النتائج وربطها بما يطلبه المواطن البحريني، وبما يخدم الوطن.

وذلك حينما نرى تصريحات أو نقرأ إعلاناً عن تحقيق نتائج وإنجازات بالأرقام، فإننا نستبشر خيراً بالضرورة، وخاصة إن كانت في المسار الصحيح الذي يحظى بالقبول الشعبي.

لكن الحق يقال إن بعضاً مما ينشر وبعض التصريحات يحظى بردات فعل غاضبة أو انتقادات واسعة؛ لأنه يأتي في اتجاه معاكس لما يتوقعه الناس أو يترقبونه أو ما يطالبون به. وقياس هذا الأمر سهل وبسيط جدا من خلال ما يعبر عنه الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر وسائل التعبير في الصحافة والإعلام.

مثال ذلك، وهو موضوع تكرر طرحه، ما نشر مؤخراً تحت توصيف «تصحيح أوضاع العمالة»، وهي عملية من ناحية المبدأ مطلوبة لوقف أي مظاهر لـ«العمالة السائبة» وما يمكن أن تستجلبه من تداعيات سلبية على المجتمع. ومبعث انتقادات الناس التي صدرت هو الرقم الكبير المذكور بشأن العمالة، وهو رقم معلن لن نكرره هنا، لكننا سنقول إنه رقم مهول وضخم، رقم قد لا يستوعبه كثيرون، بل قد ننصدم منه.

لماذا الصدمة هنا؟! لأننا في الوقت الذي كانت تناقش فيها ملفات العمالة الوافدة، وسط مطالبات تنظيم العملية، كان التركيز على نقطة مهمة جداً تتمثل في ضرورة «تقليل عدد العمالة» الموجودة في البحرين.

وهنا لسنا نتحدث عن عمالة نظامية أو غير نظامية، بل نتحدث عن عمالة برقمها الإجمالي، وهو رقم كبير جداً ويستوجب الوقوف عنده.

اليوم هناك مناطق في البلد بعضها تجارية تاريخية وحيوية لو زرتها وقت المناسبات أو حتى في نهاية الأسبوع ستجد عددا مهولا من العمالة يجعلك تتصور أنك لست في البحرين. وهذه نقطة مزعجة، إذ لسنا نتحدث عن أعداد منتشرة بفعل السياحة الداعمة للاقتصاد الوطني، بل نتحدث عن عمالة تعمل في البحرين بغض النظر عن روابط العمل سواء أكانت نظامية أم لا، سواء أكانت برواتب عالية أم أيدياً عاملة رخيصة في الأجور.

ورغم تقديرنا لجهود ومساعي التنظيم والتصحيح وهي مساع مطلوبة ومهمة، لكن كان الود لو قرأنا تصريحات تتحدث عن وجود خطط مدروسة وموضوعة لـ«تقليل عدد العمالة» باعتبارها هدفاً يراد تحقيقه، إذ لو بحثنا في الأعداد والأعمال المرتبطين بها سنجد بالتأكيد أرقاماً فائضة لا نحتاج لهذا العدد الكبير منها. وأيضا بحصر مجالات عملها قد نجد وظائف يمكن طرحها وتوفيرها للبحرينيين.

أعتقد أننا كلنا متفقون بأن العدد كبير ويفوق التصور، والأرقام تجرنا إلى محاولة استيعاب الأسباب والمدد الزمنية والتشريعات المرتبطة والإجراءات المتخذة خلالها والتي أوصلتنا إلى هذا الرقم الكبير.

لذلك رد فعل الناس المستاء من الأرقام المعلنة أمر طبيعي جدا، إذ المطلوب تقليل العدد لا تثبيت الرقم المرتفع بشكل معتمد ورسمي.

“إباحية مطلقة”..!

كان الله في عون كل ولي أمر يحاول أن يحمي أبناءه من الغزو الفكري والأخلاقي الذي باتت أدواته ووسائله في تزايد وتنوع لا يمكن السيطرة عليه، إذ يتضح جلياً بأننا سنعيش وضعاً فيه انفلات بلا حدود وتأثيره سيكون من خلال نتائج تؤثر على سلوكيات وقيم النشء الجديد، هذا إن لم تكن هناك فئات أكبر سناً انجرفت بالفعل وراء موجة تغيير المعتقدات والأخلاقيات.

في الماضي كان أولياء أمورنا يشددون على ذهابنا إلى دور السينما دون مرافقتهم لنا، وكانت رقابتهم صارمة بشأن ما نشاهده في التلفاز، وكل هذا كان نابعاً من تمسك بالموروثات الاجتماعية والأخلاقيات التي ينص عليها ديننا؛ إذ بالنسبة لهم لقطة عابرة هنا، ونظرة خاطئة هناك لمشهد ما قد يؤدي بهذا الطفل الصغير لدخول مسارات تحرفه أو تنسف إرثه الأخلاقي.

لكن اليوم ومع التطور التكنولوجي وتنوع منصات نشر المحتوى وسهولة الوصول إليه حتى لأطفال صغار في سن الروضة عبر أجهزة «الآيباد» وغيرها، فإن التحدي أصعب بشأن حماية هذا النشء من عمليات الاستهداف الفكري والأخلاقي.

قد يظن البعض بأننا نبالغ حينما نقول بأنها «عمليات استهداف» بينا هي -في نظرتهم- مجرد محتوى وإنتاج إعلامي «اختياري» المتابعة والمشاهدة، وعليه فإن الإنسان حر فيما ينتقيه ويستهويه، وهذا سياق منطقي بالفعل، لكن المشكلة تتمثل في الأهداف الحقيقية الكامنة وراء عمليات الإنتاج هذه، خاصة تلك الموجهة لعالمنا العربي الإسلامي.

قضية الشذوذ مثلاً ليست وليدة اليوم، بل هي ظاهرة قد تكون برزت منذ بدء الخليقة، لكنها وصلت اليوم لمرحلة «الترويج العلني» ولأقل بالبحريني «الدعاية بعين قوية»، إذ للأسف المحتوى الإعلامي الذي ينشر على المنصات الشهيرة سواء أكان محتوى ناطقاً بالإنجليزية أو الفرنسية أو اللاتينية وغيرها، وصل اليوم ليشمل المحتوى العربي، وهو محتوى معروف تماماً يوجه لمن.

هذه القضية التي بات الترويج لها بشكل واسع جداً، يراد لها أن تصبح واقعاً يتعايش معه البشر، بل يراد لها بأن تكون ثقافة «عادية» يتأسس معها الجيل الناشئ بلا حرج. وصلت المسألة للتشريعات والقوانين لبعض البلدان، وتحول الفعل المقزز وغير السوي هذا إلى فعل يُعاقب من ينتقده أو يشمئز منه بالقانون! بل لا يكاد اليوم يخلو محتوى إعلامي أجنبي وحتى بعض المحتوى العربي من إشارة وذكر له وبطريقة إيجابية. المشكلة التي تواجهنا وتواجه الأجيال القادمة تتمثل بترويج مفهوم «الإباحية المطلقة» ولست أعني بها إنتاج المواد الإعلامية الساقطة، بل أعني بها الترويج لفكرة أن كل شيء عادي ويمكن للإنسان أن يعيش بلا قيود أو حدود، بحيث يعتبر العلاقات الشاذة بين نفس الجنس أمراً عادياً، ويعتبر الخيانات في العلاقات الأسرية أمراً عادياً جداً، ويعتبر المخدرات مثل تناول المكسرات، والأخطر حينما يصور له الدين ومعها القيم والأخلاقيات على أنها «تخلف ورجعية» يجب التحرر منها لتكون شخصاً «كوول» ومنفتح العقل «أوبن مايندد». الإباحية المطلقة، هذا هو الخطر القادم الذي سيهدد أجيالنا، كل شيء عادي، لا قيود ولا تحفظات ولا حدود، لا دين ولا أخلاق، وكل شيء مباح مباح، حتى لو كان فعلاً يهتز له عرش الرحمن.

وداعا .. أسد آل خليفة

بقلم – فيصل الشيخ:

تمتزج الأحبار بالدموع، تتشبع الكلمات بالألم، تتحشرج بداخلك كطعنات تصنع جروحا وتترك ندوبا، تبقى الأخيرة معك للأبد. هكذا تكون سطور الرثاء في فقد إنسان عزيز وغال على القلب، رحيله يُفجع، وذكراه تكون مبعثا لآلام تحرق الفؤاد كلما عادت بك الذاكرة لمحطاته الأثيرة. 

اسمك بدون ألقاب يكفي ليعرفك العالم، فهو بحد ذاته ”لقب“، فـآه يا ”خليفة بن سلمان“ كيف نرثيك؟! كيف نختزل تاريخا ”جبارا“ في سطور؟! كيف نحكي ”قصة وطن“ باختصار، ونحن نعلم بأن خليفة بن سلمان ”قصة وطن“ لا تُختصر؟! 

آه لوطن يفقد وطن، رحل ”أسد آل خليفة“، رحل ”الأمير الإنسان“ و”القيادي الصلب“، رحل ”الأب الحنون“ و“الرئيس المحنك“. تركنا ونحن نمني النفس بلقياه والحديث معه ولو لمرة أخيرة. مضى وشعب البحرين في لهفة لرؤيته ”يصول ويجول“ في مدنها وقراها وأروقتها كعادته، يسأل الصغير والكبير والشباب والشيوخ والعواجيز عن همومهم ومشاكلهم ليوجه بحلها على الفور، فـ”ما للصعاب إلا خليفة“. رحل بعد كلماته الأخيرة في آخر جلسة لمجلس الوزراء شرفها ترؤس جلالة الملك، حين قال ”شعب البحرين يستاهل الخير“ وكأنه يوصي بنا.

غادرنا ”الرجل“ الذي أبصرنا الدنيا وهو رئيس لوزرائنا وعضيد لشقيقه والدنا الراحل الشيخ عيسى بن سلمان رحمه الله، غادرنا ”القائد الفذ“ الذي قهر مع شقيقه الأكبر ”السنوات الصعبة“ وأسس معه ”قيام الدولة“، وواجه أطماع المعتدي. غادرنا ”العضيد القوي“ لجلالة الملك حمد حفظه الله، ملكنا الغالي ”المجدد عراب البحرين القوية الحديثة“ الذي ندعو له بطول العمر، والذي نعزيه أحر العزاء، فحمد بن عيسى فقد والدا وعما عزيزا وسندا وقياديا حكيما، فقد ”رمزا للثبات“ لطالما وقف ”شامخا“ لأجل بحريننا وشعبها مثلما ”الجبل العظيم“، فامسح يا ربي على ”قلب حمد“. 

لم يهدأ ولم يستكن ولم يرتح يوما، فهو كما قال لنا مرارا ”البحرين أمي، وأنا ابن بار بها، وشعبها أمانتها لي“، رحمك الله يا خليفة فاليوم أمك تبكيك بحرقة، وشعبها يعتصر قلبه الألم وتغرق مآقيه الدموع، فـ”الابن البار رحل“ تاركا لنا أغلى أمانة، تاركا لنا دروسا عظيمة، تعلمنا منها وسنعلمها لأبنائنا وأجيالنا المتعاقبة، دروس في الوطنية وعشق هذا التراب والثبات دفاعا عنه والولاء لملكنا والاصطفاف خلفه، باختصار علمتنا يا والدنا ”ما هي البحرين“ و“ما هي قيمة الوطن“، فأنت من قلت لنا ذات يوم: ”وأي شيء يبقى، حينما يضيع الوطن؟!“. 

لن أتجاسر على حصر أعمالك العظام ومناقبك، فقلمي يعجز عن تحقيق ”هذا المستحيل“، ولن أرثيك فمثلك لا يُرثى، بل الرثاء لنا لفقدك ورحيلك عنا، روحك الطاهرة في السماء عند رب عظيم كريم، لكنك ستظل موجودا بيننا على الأرض ”مخلدا“ في أفئدتنا وبداخل مشاعرنا وأفكارنا، نستذكرك في ذكرياتنا الجميلة، ذكريات ”ملاحم وطن“ فيها نسترجع دروس عظمتك وقوتك وشموخك، لنقول بعدها بإيمان تام: مثلما لم يمت والدنا عيسى في وجداننا، فـ“خليفة المجد“ لا يموت أبدا في قلوبنا. 

هل أنت راضٍ عن خدماتنا الإلكترونية؟!

مملكة البحرين تعد من الدول المتقدمة في شأن تحويل عديد من الخدمات المقدمة للمواطنين والمتعاملين إلى «المنصات الإلكترونية»، وهو تحول يحقق العديد من الأهداف التي تصب في اتجاه تبسيط العمليات وتسهيل الحياة على الجميع.

وبالأمس أضيفت 8 خدمات إلكترونية جديدة من قبل وزارة الداخلية، وهي خدمات دشنها الوزير الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة لتضاف إلى حزمة خدمات هامة تقدمها وزارة الداخلية بلغت حتى الآن 76 خدمة.

قد يظن كثيرون بأن الموضوع له علاقة بفيروس كورونا (كوفيد ـ19)، وبالرغبة في تقليل التعامل البشري ومنع المخالطات، وفي هذا ظن صحيح، إلا أننا نعود إلى أصل الموضوع الذي بدأ منذ سنوات حينما اتجهت البحرين للتحول الإلكتروني بشكل تدريجي.

ذكرت أن هناك عدة أهداف، ولربما المواطن نفسه اليوم يمكن أن يعددها بناء على خبرته وتجربته الشخصية، باعتبار أن كثيراً من المعاملات سهلت عليه اليوم، وبات لا يحتاج للخروج سواء من عمله أو حتى منزله ليتمها، وكذلك بات لا يحتاح للحضور في المواقع الخدمية التابعة للوزارات المختلفة بما يجنب التعطيل وتكدس البشر، وحتى أن المواطن بات يحس بعامل الوقت وسط كل هذا، فإذا كانت الخدمات في السابق والتي تتم بشكل مباشر بين الموظف المعني وبين المتعامل قد تأخذ وقتاً طويلاً، وتدخل في عواملها البيروقراطية والرتابة والتأخير وحتى الملل، فإن التعامل مع أنظمة إلكترونية متطورة من خلف الشاشة يجعل كل تلك العوامل منتفية.

قبل سنوات كنت تضطر للوقوف في طوابير أو تضييع وقت طويل من يومك لإصدار بطاقتك الشخصية وهو أبسط مثال، لكنك اليوم ومن خلف الشاشة يمكنك إجراء هذه المعاملة في دقائق وفوقها كثير من المعاملات، ولو جئنا اليوم لنعدد هذه الخدمات المتوافرة لن نتمكن من إحصائها جميعاً، يكفي المثال أعلاه الذي بينا فيه أن وزارة الداخلية وحدها تقدم للمواطن عبر المنصة الإلكترونية 76 خدمة.

ومع كل ذلك نتساءل: هل وصلنا لمرحلة الكمال إلكترونياً، بحيث يمكن للمواطن القيام بكل شيء عبر هاتفه الذكي أو جهاز الحاسوب دون الحاجة للقيام بكل الإجراءات التقليدية السابقة، والتي كانت مصدر إزعاج أو بالأصح عبئاً على الكثيرين؟!

الإجابة تتمثل بأن ما حققته مملكة البحرين على هذا الصعيد خطوات كبيرة جداً، وهناك مراجعات دائمة ومعالجات لأخطاء أو خلل يحصل هنا وهناك، والاتجاه بإضافة المزيد من الخدمات والتسهيلات لنتحول يوماً ما إلى مجتمع إلكتروني بالكامل في معاملاته وممارساته.

يبقى من المهم دائماً طرح التساؤل التالي: هل أنت راض عن الخدمات الإلكترونية؟! كوسيلة قياس، وذلك لمعرفة رأي المتعاملين والأهم الوقوف على ملاحظاتهم وما صادفتهم من مشاكل بناء على تجاربهم الشخصية، وهذه هي أفضل السبل للتطوير والتحسين.

تمديد وقف القروض.. والعودة “الحذرة”!

هل ستعلن الحكومة تمديداً لوقف القروض الشخصية لمدة ثلاثة شهور أخرى، باعتبار أننا لم ننتهِ من فيروس «كورونا» بعد؟!

سؤال وجهه لي عدة أشخاص، وكل أملهم بأنني أملك الإجابة، والتي كانت بهز رأسي بأني لا أعرف، ولا أظن أن هذا سيحصل، خاصة وأن بعض النواب حاولوا إثارة الموضوع بشكل فردي، وغالباً كان عبر حساباتهم في التواصل الاجتماعي لكن لا رد من الحكومة.

نعم لا أظن، لأن القروض أوقفت لمدة ستة شهور، وهي مبادرة حصلت في البحرين بتوافق بين الحكومة والبنوك، في حين كثير من الدول حتى القريبة منا لم تقم بها، والسبب كما أراه ويتفق بشأنه البعض أن البلد بحاجة لتحريك عجلة الاقتصاد بشكل أكبر، وتحتاج للعودة لممارسة روتينها العملي والاقتصادي، لأن الاستمرار على الوضع الحالي لن يعني إلا خسائر مالية كبيرة بالملايين «اليوم» قد تقود لتداعيات صعبة وقرارات أكثر صعوبة «غداً».

لكن ربما تكون نظرتنا خاطئة، ولربما الحكومة لها مخططاتها بشأن القادم من الشهور حتى نهاية العام فيما يتعلق مع كورونا، خاصة وأننا دخلنا مراحل أكثر تقدماً في مسألة التعامل مع المرض، وأعني هنا ما يتعلق بزيادة الوعي بشكل كبير، وأيضاً دخول العملية لأطوار استخدام اللقاح المتوافر حالياً على مجموعات من المتطوعين ما يبشر بأمل الوصول لعلاج يقضي على هذا الفيروس.

حتى في جانب تحريك الاقتصاد، الخطوات المتخذة عبر مراحل عديدة تكشف عن السعي للعودة إلى الحياة الطبيعية لكنها «عودة حذرة»، إذ لابد للحياة أن تستمر، لابد للأعمال أن تمضي، ولابد للاقتصاد أن يتحرك، وكذلك مشاريع الأفراد لابد وأن تعاود العمل حتى لا يمضون في خسارة أكبر وحتى تعود البلد للانفتاح، وهذا ما نراه بشأن كثير من المرافق السياحية في البلد سواء فنادق أو مطاعم أو مجمعات، مع ابتكار حلول عديدة تعوض تعطيل بعض المرافق مثل فتح سينما السيارات وكذلك تسهيل عمل سيارات بيع الأطعمة «الكرفانات».

عادت بعض المرافق مثل النوادي الصحية، وستعود المقاهي وقبلها المطاعم، وبحسب ما يتردد فإن الجسر سيفتح قريباً لتنتعش السياحة مع الجيران، ما يعني قرب فتح السينما والمجمعات بإشغال كامل والفنادق والمنتجعات، ناهيكم عن العودة للأعمال والدراسة.

كلها أمور مرتب لها أن تحدث، وأن تتم وفق مراحل مدروسة، وهناك مؤشرات تبشر بذلك وبكل إيجابية، لكن ما يقلق هنا هي تلك الأرقام التي نشرت مؤخراً والتي كشفت عن استمرار حالات من الاستهتار في إجازة عيد الأضحى، وكيف أن هناك حالات عديدة سجلت بسبب التهاون وعدم الالتزام بالإجراءات الاحترازية والمعنية بالتجمعات والمخالطة.

كلنا نريد العودة لما كنا عليه، سنعود بإذن الله، لكن المشكلة أن البعض بعدم التزامه سيجعل توقيت العودة يتأخر كثيراً.

https://alwatannews.net/article/885077/Opinion/تمديد-وقف-القروض-والعودة-الحذرة!

الرازق في السماء، والحاسد في الأرض

Screenshot 2019-09-10 at 11.51.28

واقع مؤسف، ومخطئ من يظن بأنه مقصور على المال أو المنصب؛ فأحيانا يكون بسبب حب الناس لك، أو سمعتك الطيبة، أو خصالك وأخلاقك، أو شخصيتك وكاريزمتك، أو اعتدادك بمواقفك وآرائك، أو أسلوب حياتك، أو علاقتك بمحيطك وأسرتك وشريك حياتك. الحل: اللهم اشغلهم بأنفسهم.

لستَ “المحقق”.. ولا “القاضي”.. ولا “الجلاد”!

Screen Shot 2018-08-26 at 13.29.09

قلنا أكثر من مرة بأن أسلوب المعالجة لأي قضية هو الفيصل في عملية حلها.

بالتالي حينما تثار أية قضية، وتصبح قضية رأي عام يتداخل فيها الجميع، سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو الصحافة أو المجالس والتجمعات، فإن الخطوة التالية المطلوبة هي تصحيح المسارات من قبل الجهات الرسمية والمعنية في البلد، باعتبار أننا بلد مؤسسات وقانون، ولسنا في غابة يحق لأي فرد فيها فعل ما يريد.

وعليه، حينما يموج المجتمع ويتحدث في قضية ما، تعودنا على التفاعل السريع من قبل كبار المسؤولين في الدولة، وهذا في الغالب يحصل، سواء عبر تدخل وتوجيه كريم من جلالة الملك حفظه الله رأس السلطات، كما حصل في موضوع التقاعد وغيره من مواضيع، أو من خلال التدخل والتوجيه الذي تعودنا عليه دائماً من رأس الحكومة صاحب السمو رئيس الوزراء حفظه الله، كما حصل في موضوع الشهادات المزورة والوهمية وغيرها من مواضيع، أو من خلال التدخل والتوجيه أيضاً من قبل صاحب السمو ولي العهد حفظه الله كما حصل في موضوع الإسكان وغيره من مواضيع.

الفكرة هنا التي نريد إيصالها، بأن التفاعل السريع والإيجابي من قادة البلد موجود، وهو الضمانة التي يمكن أن يعول عليها الناس، ويثقوا بأن صوتهم مسموع، ومطالبهم يتم التفاعل معها، وحقوق من يمتلك الحق لن تضيع.

المشكلة حينما ننسى الخطوات السليمة لحل أي مشكلة أو التعامل مع أي قضية، بمعنى أن القضية تطرح وتشبع نقاشاً، وتتداخل فيها أطراف عديدة، وبعض منها -وهم الأخطر- لديهم أجندات خبيثة ومعروفة، اتركوا عنكم أسطوانة «الخوف على الوطن»، لأن من يدعون خوفهم عليه، هم أصلاً باعوه في وقت كان كيان الوطن على المحك، ففكروا في أنفسهم والوطن ككيان وامتداد تاريخي ليذهب «إلى الجحيم»، وطبعاً هناك فئات للأسف بات الإحباط واليأس متغلغلاً فيها لحد غير معقول، فترى التشكيك في كل شيء، ولا توجد أية ثقة في الإجراءات المطلوب اتخاذها، وفي هذا التعاطي ظلم أيضاً مع الجهود التي تبذل، خاصة لو كانت جهوداً صادقة.

نعم دور المجتمع مهم ومطلوب في عملية التفاعل والضغط والمطالبة بالمعالجات وعدم ترك الخطأ يسود، لكن المشكلة تكمن في الأسلوب، فعمليات محاربة الفساد هي أساس لا يمكن التخلي عنه، والدولة ملزمة به وفق شعاراتها المعلنة بشأن التصدي للفساد والمفسدين، لكن لا يعقل بموازاة ذلك أن يتحول أفراد في المجتمع أو جماعات لما يشبه «المحقق» و«القاضي» و«الجلاد» الذي ينزل العقوبة في نفس الوقت!

إن تحول الفرد إلى مصدر للتشهير بالآخرين، وسوق الاتهامات وافتراض الافتراضات، وحشر أسماء هنا وهناك، بغض النظر لو كان لديه موقف شخصي منها أو لا، فإننا بالتالي نحرف مسار عمليات التصحيح، ونحول الظاهرة العامة المعنية بخطأ معين يتضرر منه المجتمع، وكأنها ظاهرة خاصة مرتكزة على عمليات انتقام أو تصفية حسابات، وهذا خطأ جسيم.

لا يصح أبداً تصحيح الخطأ بخطأ، لذلك وضعت القوانين والأنظمة واللوائح، والأجهزة الأمنية والقضائية لتمثل «الضمانة» في الحفاظ على الحقوق، وحتى في حماية المتهم لحين إثبات إدانته. لا يمكنني اليوم كفرد أن أمنح نفسي صلاحيات «نيابة عامة»، أو صلاحيات «قاضي» يصدر الأحكام، لأنني لست في موقع التحقيق ولا فضح المتهمين، ولا في موقع إصدار الأحكام وإنزال العقوبات.

نعم لدينا دورنا الرقابي، وهو دور مطلوب أن نمارسه كمجتمع، لكن يفترض ممارسته بوعي وحصافة، عمليات التشهير ليست سلوكاً حضارياً أبداً، ولذلك وجدت جهات تستقبل الشكاوى والبلاغات المعنية بعمليات الفساد وغيرها، وهي تشترط وجود الأدلة الدامغة التي تثبت هذه العمليات، بالتالي إن توجهت لها وزودتها بكل ما عندك، فأنت تقوم بدورك الصحيح بمسؤولية تامة، لكن إن نسفت أدوار الجهات المسؤولة وأخذت تشهر بالناس وتتهمهم -حتى لو كانت التهم مثبتة- فأنت تجاوزت وضعك كمواطن يريد الإصلاح، وهدفك التشهير والتشفي ليس إلا.

لذلك نحن نقول دائماً في شأن الفساد والأخطاء، بأن الجهات الرسمية المعنية حينما تثبت قضية ما، وفيها تطاول على مصلحة عامة بالمجتمع أو مال عام، فإن المطلوب «فضح» هؤلاء المتجاوزين والمفسدين، لأن فضحهم لازم كون القضية معنية بالمصلحة العامة وليست قضايا شخصية، وبنفس الآلية لا يجب تحويل القضايا العامة لقضايا شخصية، لأن هذا خطأ جسيم، من شأنه أن يحرف القضية تماماً عن مسارها، وبالتالي يضيع الحق تماماً فيها، وتنتهي بلا نتيجة وتذهب ريحهها، ولا يبقى إلا الغبار!

هل يمكن “تزوير” المجتمع؟!

Screen Shot 2018-08-25 at 13.40.49

وسط كل الحديث في قضية الشهادات «المزورة»، والتفاصيل العديدة التي وردت، تبرز كلمة واحدة هي مثار الجدل، ألا وهي «التزوير».

وفق المصطلح القانوني المبني على التعريف اللغوي، فإن التزوير هو «تحريف متعمد للحقيقة في الوقائع والبيانات التي يثبتها صكٌّ أو مخطوط يشكل مستنداً بدافع إحداث ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي».

وقياساً على ذلك، كل شيء يتم «تعمد» تحريفه عن حقيقته يعد تزويراً للواقع، وفيه ضرر يقع ولو كان صغيراً، ويتعاظم ليكون ضرراً كبيراً.

الآن لو تحدثنا بواقعية وتفصيل أكثر، إذ حينما نتحدث عن «التزوير»، هل هو مصطلح «جامد» بمعني أنه معني بحالة واحدة بعينها، كحال الوثائق والمستندات والشهادات وغيرها؟! أم أنه يمكن أن ينسحب على أمور أخرى؟!

إجابة السؤال الأخير قد تدخلنا في تشعبات لا تنتهي، لأن «التزوير» اليوم أصبح فناً «ذميماً» يمارس في كثير من جوانب حياتنا، وللأسف بات إقرانه بـ«الفن» كأحد فنون التعاملات، لا بصفته الأصلية، كونه «جريمة» أو سوء سلوك أو تصرف غير سوي.

أحيانا تتعامل مع أشخاص، قد تعجب بهم من التعامل الأول، ولكن حينما يمضي بك الوقت في التعامل معهم، وتقترب منهم أكثر، وتقترب بشكل شديد من تصرفاتهم وأفعالهم ناهيك عن أفكارهم، فإنك تنصدم هنا، لأنك تكتشف بأن هذا الشخص «مزور» أو ما يمكن أن نطلق عليه «شخص مزيف».

هؤلاء الأشخاص، تجد أفعالهم مزورة إذا ما قورنت بتصريحاتهم وأقوالهم ووعودهم، ولعل أقرب الأمثلة التي تطرق الذهن تتمثل ببعض النواب أو ببعض المترشحين للانتخابات، فبعد الوعود الجميلة، وبعد الوصول للهدف، تكتشف بأن الوعود كانت زائفة، أي «مزورة».

هناك حالات أخطر، تلك التي ترتبط مثلاً بقطاعات معينة في الدولة، هي مطالبة بأن تنجز وتحقق كثيراً من الأهداف التي تخدم المجتمع والناس، لكن لأسباب عديدة «تنحرف» بوصلة العملة، ولا تتحقق الأهداف، بل نحصد إخفاقات متتالية، وتكون هناك انتقادات مجتمعية، فيكون «الهروب» من مواجهة المشاكل والاعتراف بالأخطاء متمثلاً بابتكار أمور تحاول أن تبرز جوانب إيجابية تدحض الفشل المثبت، وللأسف بعضها قد لا يكون حقيقيا، قد يبرز إعلامياً ويقدم على أنه إنجاز، لكن الواقع يقول بأن هذا كله سيناريو «مزور» لحالة غير واقعية.

حتى على مستوى الحراك المجتمعي، سواء ما يتعلق بمؤسسات مجتمع مدني تعمل بأساليب تسعى من خلالها للوصول لأهداف خفية، تخفيها ولا تعلنها لأنها غير سوية، وتتعارض مع أسس ثابتة في المجتمع، مثل الوطنية والولاء، وتعلن أمورا أخرى بدلاً عنها، وتضعها في المقدمة باعتبارها الأساس الذي تعمل لأجله وتسعى إليه، مثلما حصل في محاولة الانقلاب، حينما قدمت شعارات ومطالب مجتمعية يتوافق عليها غالبية الناس لأنها تلامس مشاكل وهموم يعانون منها، لكن هذا كان «تزويراً» صريحاً للحقيقية، لأن الحقيقة كانت حينما سقطت الأقنعة، وتبدلت المطالب المعيشية بمساع انقلابية تريد الاستحواذ على الحكم وإسقاط النظام.

حتى على مستوى المنابر الدينية، وسنقول بعضها، إذ من خلال ملاحظات المجتمع، يمكنك أن تكتشف شخصيات تقدم أنفسها بصورة جميلة مطرزة وسط جموع الناس، وتعطيك من فضائل النصائح وغيرها، لكن بالنظر لشخصية بعض هؤلاء الأفراد أو القيادات الدينية، تكتشف حقيقة كثيرين، وأنهم يفعلون ما لا يقولون، ويؤمنون بما لا يعلنون، وكيف أن بعض رجال الدين الذين يدعون الزهد مثلاً، هم في الحقيقة أغنياء وحققوا ثرواتهم بطرق غير مشروعة، بالتالي لدينا مثال لرجل دين «مزور».

الأمثلة كثيرة ويطول المقام هنا، لكن الفيصل في المسألة يتمثل بأن «الحسم» في مثل هذه الأمور، هي ما يجعل «المنطقة الضبابية» تزيد مساحتها، وتصل لوضع يمكنها من خلاله تغليف المجتمع كله، بالتالي يضيع الحد الفاصل بين الحق والباطل، تضيع أنت كفرد حينما تسعى لمعرفة أن تكون الحقيقة وأين يكون «التزوير».

نريد لمجتمعنا وبلادنا التقدم والازدهار دوما، وحتى تظل عجلة التطوير والإصلاح تتقدم للأمام بقوة، لابد من محاربة كل صور «التزوير»، وإبدالها بأعمال وسلوكيات تقدم للناس وفق أعلى صورة من صور «الصدق» و«الشفافية». أقلها لنحافظ على مجتمعنا من خطر «التزوير الشامل» في شتى المجالات.